محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

192

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

لا يجوز أن توجد خواصّ واحد منها في آخر سواه ، وليس إن كان جائزا أن يوجد الغيران إمّا متشابهين في الذات وإمّا متشابهين في الهيئة وإمّا متساويين في المقدار ؛ فوجب أن يتماثلا على الإطلاق ، بل إذ لم يجز أن يوجد مجموع خواصّ واحد من الموجودات في آخر ( 81 آ ) سواه ؛ فمن الواجب أن يقال : إنّهما كالمتماثلين وليسا بمثلين ؛ فإنّ المثل في الحقيقة هو أن لا يفوته شيء من أوصاف الممثّل به ، وإنّ السوادين والبياضين مثلان على اصطلاح المتكلّمين ، ولكن حدّ المثلين عندهم هما المشتركان في الأوصاف الذاتية ، ولا خلاف أنّ السوادين اختلفا بالمحلّين والزمانين ، فقد فاته شيء مّا من أوصاف المثل الثاني . وقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ليس يقتضي إثبات المثل ، بل إثبات المثل على الإطلاق في الموجودات إذا كان محالا فهو في حقّه تعالى أبعد توهّما وأشدّ محالا . فالعقول سالمة عن توهّم مثل له تعالى ، ومعرّضة لتوهّم شيء كالمثل ، فأزال اللّه تعالى الشبهة عن القلوب ، ونفى وجود شيء كالمثل له ؛ إذ الشبهة كانت متّجهة إليه لا غير ؛ فإذا قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ معناه - واللّه أعلم - أنّه ليس شيء من الموجودات ممّا يجوز أن يكون كالمماثل له بجهة من جهات التماثل ، لا على طريق الذات ، ولا على طريق الهيئة ، ولا على طريق المقدار ؛ فإنّه تعالى مقدّس عن ذلك كلّه . ثمّ جرى المثل في جميع القرآن على ذلك المنهاج من اللفظ . فقال مثلهم كمثل كذا وكذا ، ووجه تقريب المثل بالممثّل به على غاية ما يمكن وإن كان لا يتصوّر أن يكون مثلا له من كلّ وجه . وسرّ آخر : أنّ المنافقين بعد زمان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من الخوارج المارقين والقاسطين والناكثين وغيرهم من أمراء الجور وولاة الظلم الذين انتصبوا لمعاداة الحقّ وأهله قد استوقدوا نارا من الإمارة ، حتّى استضاءوا بنورها زمانا على مقدار الإيقاد ؛ فلمّا أضاءت ما حولهم وتمتّعوا بها ، ذهب اللّه بنورهم وتركهم في ظلمات من التبعات ، وظلمات من الضلالات ، لا يبصرون الهدى والصواب ، ولا يهتدون إلى الباب ، وقد تقطّعت بهم الوصلات والأسباب ؛ فهم صمّ بكم عمي لا يرجعون إلى أصحاب الحقوق . وسرّ آخر : في الصمّ البكم العمي أنّ اللّه تعالى آيات أمرية تقرأ في القرآن وتسمع ، وآيات